ابن عجيبة
139
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : ( ومن الذين أشركوا ) : على حذف مضاف ، أي : وأحرص من الذين أشركوا ، فيوقف عليه ، و ( لو يعمر ) مصدرية ، أي : يود أحدهم تعمير ألف سنة . و ( أن يعمر ) فاعل لمزحزحه ، أي : وما هو بمزحزحه من العذاب تعميره . يقول الحق جل جلاله : ولتجدن يا محمد اليهود أَحْرَصَ النَّاسِ على البقاء في هذه الدار الدنية ، فكيف يزعمون أنهم أولى الناس بالجنة ، ولتجدنهم أيضا أحرص من المشركين على البقاء ، مع كونهم لا يقرون بالجزاء ، فدلّ ذلك على أنهم صائرون إلى النار ، فلذلك كرهوا اللفاء وحرصوا على البقاء ، يتمنى أحدهم لو يعيش أَلْفَ سَنَةٍ وليس ذلك بِمُزَحْزِحِهِ أي : مبعده من العذاب « 1 » ، بل زيادة له في العقاب وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ : تهديد وتخويف . الإشارة : يفهم من سر الخطاب أن كل من قصر أمله ، وحسن عمله ، وطيب نفسه للقاء الحبيب ، واشتغل في هذه اللحظة القصيرة بما يقربه من القريب ، كان قربه من اللّه بقدر محبته للقائه ، وكل من طوّل أمله ، وحرص على البقاء في هذه الدار الفانية ، كان بعده من اللّه بقدر محبته للبقاء ، إلا من أحب البقاء لزيادة الأعمال ، أو الترقي في المقامات والأحوال ، فلا بأس به ، ويفهم منه أيضا أن من اشتد حرصه على الحياة الفانية كانت فيه نزعة يهودية . واعلم أن الناس ، في طول الأمل وقصره ، على قسمين : منهم من طوّل في أمله فازداد في كسله ، ودخله الوهن في عمله ، وآخر قد قصر أمله وجعل التقوى بضاعته ، والعبادة صناعته ، ولم يتجاوز بأمله ساعته ، ومثل هذا قد رفع التوفيق عليه لواءه ، وألبسه رداءه ، وأعطاه جماله وبهاءه ، فانظر رحمك اللّه أىّ الرجلين تريد أن تكون ، وأي العملين تريد أن تعمل ، وبأي الرداءين تريد أن تشتمل ؟ فلست تلبس هناك إلا ما تلبس هنا . وباللّه التوفيق . ومن أشنع كفر بني إسرائيل وأقبح مساوئهم ، بغضهم لجبريل عليه السّلام وإلى ذلك أشار الحق تعالى بقوله : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 97 إلى 98 ] قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 97 ) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ( 98 )
--> ( 1 ) لأن الإمهال بحسب الزمان وإن حصل ، لكنهم لاقترافهم المعاصي بالتعمير زاد عليهم من حيث شدة العذاب .